الجاثومJATHOOM

TALE·10 · سرد جاثومي أصلي · ٨ دقائق

ثلاثة أشرطة

باحثة فلكلور سجّلت رواة في ثلاث دول لا يعرف بعضهم بعضًا. الحكايات مختلفة. الجملة الأخيرة واحدة.

من ورقة مرفقة بالأشرطة: «لا أدّعي شيئًا. أنا فقط لا أعرف أين أضع هذا في رسالتي.»

وصلتنا ثلاثة تسجيلات رقمية ونسخة من دفتر ميداني، من باحثة كانت تُعدّ رسالة عن الكائنات الأنثوية في الفلكلور العربي. عملها منهجي إلى حدّ يثير الغيرة: لكل تسجيل تاريخ ومكان وعمر الراوي ولهجته، ولكل مقابلة استمارة موافقة موقّعة.

الشريط الأول من بستان نخيل جنوب العراق. رجل في السبعين يحكي عن الطنطل: الكائن الطويل الذي يقف بين النخل ولا يطارد أحدًا. يحكي بنبرة رجل يصف طقسًا، لا بنبرة خائف. وفي الدقيقة الحادية عشرة، حين سألته الباحثة عمّا يجب فعله إن رآه أحد، صمت ثم قال جملة قصيرة.

الشريط الثاني من بادية في شرق الجزيرة. امرأة في الستين تحكي عن أم الدويس: العطر الذي يسبقها، والوصية المتوارثة بألا يُنظر إلى الوجه بل إلى الأسفل. حكاية مختلفة تمامًا في تفاصيلها، وفي بيئتها، وفي لهجتها. وفي نهاية المقابلة، حين سألتها الباحثة السؤال نفسه، صمتت ثم قالت الجملة نفسها.

الشريط الثالث من قرية في دلتا النيل. رجل في الخمسين يحكي عن الندّاهة والنداءات الثلاثة. ثم — الجملة نفسها. الكلمات نفسها. بلهجته هو، لكن التركيب واحد والإيقاع واحد.

لن ننقل الجملة. طلبت الباحثة ذلك صراحةً، وسبب طلبها مكتوب في دفترها بخط واضح: «ليست تعويذة ولا سرًّا. هي جملة عادية جدًا. ولهذا بالضبط لا أريد أن تُنشر مقتطعة، فيصنع منها الناس شيئًا ليس هو».

ما نستطيع قوله إنها جملة إرشادية قصيرة من النوع الذي تنتهي به الوصايا الشعبية في كل مكان — من صنف «لا تفعل كذا ولا تلتفت». والتفسير المنهجي لتكرارها بسيط ومقنع: الوصايا تسافر أسرع من الحكايات. القصة تتغير لتناسب البيئة — نخيل هنا، ورمل هناك، وماء هناك — أما القاعدة العملية فتنتقل كما هي لأنها الجزء المفيد.

هذا كل ما في الأمر. وهو تفسير كافٍ، ونحن نقيّده بوصفه الأرجح.

لكن الباحثة أضافت في دفترها ملاحظة أخيرة لم نستطع تجاهلها، ونقلناها كما هي: «سألت الثلاثة السؤال بصيغ مختلفة عمدًا، بلهجاتهم، في أوقات متباعدة، ولم يكن أحدهم يعرف عن الآخر شيئًا. ومع ذلك صمت الثلاثة قبل الإجابة المدة نفسها تقريبًا. قِستها لاحقًا على الأشرطة: ثانيتان ونصف، ثم الجملة. لا أعرف ماذا أفعل بهذا. الصمت ليس فلكلورًا. الصمت لا يُتوارث».