وصل الدفتر إلى الأرشيف من ضابط شرطة متقاعد، مع رسالة قصيرة: «لم تكن قضية. السيارة سليمة، والبنزين فيها، والرجل عاد إلى بيته بعد ثلاثة أيام سيرًا. لكنه لم يعد يتكلم كثيرًا، وترك لنا الدفتر. قال: خذوه، أنا لا أريده».
الصفحات الأولى بخط شاعر معروف في دائرته الصغيرة، توقف عن النشر سبع سنوات. يكتب فيها بمرارة رجل مهني عن عطل مهني: «الجملة لا تجيء. أجلس ست ساعات فأخرج بسطر أشطبه في اليوم التالي. الذين حولي يقولون إنها مرحلة. أنا أعرف الفرق بين المرحلة والانقطاع. هذا انقطاع».
ثم يبدأ في الصفحة الحادية عشرة شيء آخر: قائمة. مواضع وردت في كتب التراث بوصفها مسكنًا للجن، مرتبة بخط منتظم، وأمام كل موضع مصدره ورقم صفحته. رجل يائس، لكنه رجل منهجي. وفي آخر القائمة كلمة واحدة مكتوبة بحبر مختلف، أحدث: «عبقر».
لا أحد يعرف أين عبقر. هذه ليست معلومة ناقصة في التراث، بل صفة من صفاته: وادٍ في المخيال العربي القديم تسكنه الجن، ومنه يأخذ الشاعر شيطانه الذي يُملي عليه — ومنه جاءت كلمة «عبقري» التي نمدح بها اليوم من لا نعرف من أين يأتي بما يأتي به. أن تبحث عن عبقر على الخريطة يشبه أن تبحث عن مصدر إلهامك في دفتر عناوين.
ذهب على أي حال. الصفحات التالية مكتوبة في الطريق: أسماء قرى، وأسعار بنزين، ومحادثة مع راعٍ عجوز قال له — والشاعر يسجّلها بالحرف — إن الوادي ليس موضعًا يُقصد، بل موضع يقصدك. ثم أضاف الراعي جملة كتبها الشاعر ووضع تحتها خطين: «واللي يروح له وهو فاضي، يرجع مليان بحاجة مش بتاعته».
في الليلة الثانية توقف عند وادٍ ضيق بين جدارين من صخر، ونام في السيارة. وهنا ينكسر الخط في الدفتر — يصير أسرع، أقل انتظامًا: «استيقظت ولم أستطع الحركة. لا أستطيع أن أفتح فمي. وعلى صدري ثقل هادئ لا يؤلم، صبور، كأنه ينتظر أن أنتبه إليه. حاولت أن أقول شيئًا فخرج مني ما يشبه السجع، بلا معنى، بإيقاع لم أختره — كأن أحدًا يجرّب حنجرتي».
الجاثوم له في أرشيفنا ملف كامل وتفسير طبي مكتمل: شلل نوم، يستيقظ الوعي قبل أن يزول شلل الحركة، ويولّد الدماغ إحساس الحضور والثقل. الشاعر نفسه كتب ذلك في الهامش بخطه الأول المنتظم، كأنه يطمئن نفسه: «شلل نوم. انتهى». ثم كتب تحته بالخط المتسارع: «لكن شلل النوم لا يملي شعرًا».
الصفحات الثلاث الأخيرة قصيدة. لن ننقلها هنا — طلب صاحبها ألا تُنشر، ونحن نحترم ذلك. لكننا نقيّد عنها ملاحظتين: أنها مكتوبة بسجع قصير مقفّى يقسم بالليل والريح، وهو تحديدًا أسلوب الكهّان في الجاهلية لا أسلوب الشعر الحديث؛ وأن الخط فيها ليس خط الرجل، مع أنه يشبهه إلى حدّ يجعل المقارنة متعبة.
عاد سيرًا. ترك السيارة والبنزين فيها. سألناه — بواسطة الضابط — سؤالًا واحدًا: لماذا لم تسق السيارة؟ فجاء الجواب بعد أسبوعين، جملة واحدة: «لأنني لم أكن متأكدًا أنني وحدي فيها».