الجاثومJATHOOM

TALE·08 · سرد جاثومي أصلي · ٨ دقائق

القارئ الأخير

شابٌّ ورث مكتبة عمّه، فوجد فيها سلسلة رعب كاملة — وملفًا واحدًا مكتوبًا بخط اليد، رقمه لا يتبع أي ترقيم يعرفه.

من ورقة مثبّتة داخل غلاف كتاب: «القارئ الذي يفهم النهاية لا يغلق الكتاب. يبدأ في كتابته.»

المكتبة كانت في شقة قديمة بالإسكندرية، والوارث شاب في الثانية والعشرين لم يقرأ في حياته كتابًا كاملًا. عمّه — طبيب متقاعد لم يتزوج — ترك له الشقة بما فيها، وفيها ألف ومئتا كتاب مرتبة ترتيبًا لا يخطئ: كل سلسلة في رفّها، وكل عدد في موضعه.

أرسل إلينا الشاب صورًا أولًا، يسأل إن كانت المكتبة تساوي شيئًا. أجبناه بأن الأرشيف لا يشتري ولا يثمّن. فكتب مرة أخرى — وهذه هي الرسالة التي فتحت الملف: «مش عايز أبيع. عايز أعرف إيه ده».

«ده» كان عددًا في منتصف سلسلة رعب مصرية معروفة، على رفّها، بترتيبها الصحيح، بغلافها الأصلي — لكن متنه ليس مطبوعًا. مئة وأربعون صفحة بخط يد دقيق منتظم، على ورق قُصّ بعناية ليطابق مقاس الكتاب وأُلصق في كعبه. من الخارج عدد كأي عدد. من الداخل شيء آخر تمامًا.

طلبنا صورًا للصفحات. النص ليس تقليدًا للسلسلة، وإن كان يستعير صوتها: راوٍ طبيب يشرح ويسخر ويخاف ويعترف بخوفه — الصيغة نفسها التي غيّرت شكل الرعب العربي حين صار البطل رجلًا يقول لك بصراحة إنه يفضّل ألا يدخل، ثم يدخل. لكن ما يرويه هذا الراوي المخطوط مختلف: لا جنّي يفاوضه، ولا كيان يريد منه شيئًا. يروي أنه فهم شيئًا عن ترتيب العالم، وأن الفهم نفسه كان الأذى.

هذه ليست حكاية عربية. هذا الرعب له اسم آخر: أن يكون الكون غير منتبه لك أصلًا، وأن تكون المعرفة عقوبة لا نجاة. رجل يقرأ سلسلة عربية بروحها المتفاوضة، ويقرأ في الرف المجاور ما هو أبرد وأبعد — ثم يجلس ليكتب بيديه النقطة التي التقى فيها الاثنان.

في الصفحة الأخيرة يتوقف الخط عن الانتظام. الجملة الأخيرة غير مكتملة، وبعدها ثلاث صفحات بيضاء، ثم — في آخر ورقة، بخط أصغر وأسرع — سطران: «ليست ناقصة. أنا توقفت عمدًا. من يكمّلها يعرف لماذا».

قال الشاب إنه قرأها ثلاث مرات. سألناه إن كان يعرف خط عمّه، فأجاب إنه يعرفه من الوصفات الطبية القديمة، وإن الخط هو خطه — «بس أهدى». ثم أرسل بعد أسبوع رسالة قصيرة: «أنا اشتريت دفتر».

قيّدنا الواقعة في ملف المخطوط المفقود، لأنها تتبع نمطه بدقة: كتاب يبدو كاملًا من الخارج، ناقص من الداخل، والنقص فيه اختيار لا عطب. وأضفنا سطرًا واحدًا في هامش المحضر: هذه أول مرة نوثّق فيها الظاهرة وهي تنتقل — من قارئ توقف عن الكتابة، إلى قارئ بدأها للتو، عبر رفّ في شقة بالإسكندرية.

لم نطلب الدفتر الجديد. قررنا أن ننتظر. الأرشيف يستطيع أن ينتظر أطول مما يستطيع أي كاتب.