الجاثومJATHOOM

TALE·09 · سرد جاثومي أصلي · ٨ دقائق

حارس القرافة

مصوّر أراد صورة واحدة لمدينة الموتى ليلًا. أعطاه الحارس شرطًا: لا تصوّر ما يعكس.

من بريد وصل إلى الأرشيف بمرفق واحد: «الصورة رقم ١٩ هي المشكلة. الباقي عادي.»

المصوّر شاب في الثلاثين يعمل في الصحافة، ومشروعه — كما شرح في رسالته — لم يكن عن الأشباح إطلاقًا: «عايز أصوّر ناس عايشة، مش مقابر. كل اللي بيتصوّر هناك بيطلع مرعب، وده ظلم للناس اللي ساكنة».

دخل قبل المغرب ومعه تصريح ومرافق من أهل الحيّ، وصوّر ثلاث ساعات: أطفال يلعبون بين القباب، ورجل يبيع الشاي على منضدة معدنية، وامرأة تنشر غسيلًا على حبل مشدود بين ضريحين. الصور — أرفقها كلها — هادئة ودافئة، وتفعل بالضبط ما أراده: تنزع عن المكان صفة الرعب وتردّه إلى أهله.

الحارس ظهر في الساعة الأخيرة. رجل مسنّ من ورثة مهنة قديمة في القرافة: حراسة الأضرحة وفتحها لأهلها في المواسم. لم يمنعه من التصوير، ولم يطلب مالًا. اشترط شرطًا واحدًا، نقله المصوّر بالحرف: «صوّر اللي انت عايزه. بس متصوّرش حاجة بتعكس».

سأله عن السبب فلم يشرح، وأعاد الجملة بصيغة ثانية: «الميّة والزجاج والمرايا. سيبهم. الناس هنا بتغطّي المراية في البيت لما حد يموت — انت جاي تصوّر في بيت كله كده».

عادة تغطية المرايا في بيت الميت موجودة في ثقافات كثيرة متباعدة، ولها في أرشيفنا ملف كامل بتفسيرها البصري الموثق: التحديق في مرآة معتمة يفكّك ملامح الوجه ويعيد تركيبها، فيرى الناظر وجهًا ليس وجهه — وهي خاصية في الإبصار لا في الزجاج. المصوّر كان يعرف هذا، وكتب في رسالته إنه ابتسم في نفسه وقال: خرافة لطيفة.

ثم مرّ في طريق العودة على حمّام قديم مهجور في طرف الحيّ، سقفه قبة مثقوبة بفتحات نجمية، وأرضه بها ماء راكد بعمق سنتيمترات. الضوء كان ينزل من الفتحات في أعمدة، والماء يعكس الأعمدة إلى الأعلى. قال في رسالته: «ده أجمل كادر شفته في حياتي. نسيت الكلام كله وصوّرت».

الصورة رقم ١٩. أرفقها. الماء فيها يعكس القبة والفتحات النجمية بدقة، والأعمدة الضوئية مزدوجة كما يجب. وفي الجزء الأيمن من الانعكاس — لا في الغرفة، في الانعكاس وحده — تقف هيئة. ليست ضبابية ولا شفافة: واقفة، بظلّ، بحجم رجل. وفي الجزء نفسه من الصورة، فوق الماء، لا يوجد أحد.

أرسلنا الملف إلى من يفهم في هذه الأمور أكثر منا. جاء الجواب بلغة مهنية هادئة: عدسة واسعة، وسطح ماء غير مستوٍ، وانعكاس داخلي في الزجاج، وشيء يقف خلف الكاميرا في المدخل — عمود، أو باب مفتوح، أو المصوّر نفسه — قد ينعكس مرة واحدة على الماء دون أن يظهر في الكادر. تفسير سليم تمامًا، ويغطي كل ما في الصورة.

قيّدنا التفسير كاملًا في الملف، كما نفعل دائمًا. ثم قيّدنا تحته سطرًا أخيرًا من رسالة المصوّر، لأنه — وليس الصورة — هو ما جعلنا نفتح الملف أصلًا: «أنا مش خايف من الصورة. أنا خايف إني افتكرت شرط الراجل وأنا بصوّر، وقلت لنفسي: دي ميّة مش مراية. كأن حد كان محتاج يسمع مني الجملة دي بالذات».