الجاثومJATHOOM

TALE·02 · سرد جاثومي أصلي · ٧ دقائق

النداء الثالث

باحثة تتبعت هامشًا في أوراق لاشين إلى ترعة في الدلتا. كان الهامش تحذيرًا، لا خريطة.

من رسالة وصلت إلى الأرشيف بلا طابع بريد: «إن سألتم عني، فأنا التي أخطأت في عدّ النداءات.»

أعرف قواعدكم. قرأتها في ملفاتكم قبل أن أراسلكم: ثبّت الواقعة وأجّل التفسير، وثق بالحواشي أكثر من المتن. حسنًا — أنا حاشية. اسمي غير مهم؛ صفتي أنني كنت أعدّ رسالة عن المخطوطات المبتورة، وأنني اقتربت من أوراق آدم لاشين أكثر مما ينبغي، وأنكم ستقيدون رسالتي هذه في ملفه، وربما في ملفَّين آخرين. سترون.

في الأوراق المنسوبة إلى لاشين — النسخة التي تحفظونها ولا تعرضونها — هامشٌ بخطه الدقيق المتعجل، بجوار فقرة عن «كتاب الأبواب»: «الباب الناقص لا يُبحث عنه في الكتب. يُسمع». وتحتها، بحبر مختلف، أحدث: «قرية م.، الترعة الشرقية، بعد العشاء. لا تذهبوا».

الجملة الأخيرة كتبها رجل يعرف أن أمثالي لا يقرؤون التحذيرات إلا بوصفها عناوين. ذهبت.

قرية م. لم تعد قرية؛ صارت أطراف مدينة، والترعة الشرقية ضاقت حتى صارت خيطًا من ماء أسود بين صفَّين من النخيل المتعَب. وقفت على الجسر الترابي بعد العشاء بمسجّل صوت وضميرٍ منهجي مرتاح: باحثة توثق فلكلورًا محليًا، لا أكثر. حين نادى الصوتُ اسمي من الضفة الأخرى، لم أخف. الخوف يحتاج مفاجأة، وأنا كنت أنتظر. هذا أسوأ ما فيّ: أنا لا أُفاجأ، أنا أتحقق.

النداء الأول وثّقته: أنثوي، قريب رغم عرض الماء، يلفظ اسمي بميم مفخّمة كما تلفظه جدتي وحدها. قلت في المسجل: «ظاهرة صوتية، انتشار فوق سطح مائي، درجة حرارة منخفضة». النداء الثاني جاء من مكان مختلف دون فاصل زمني يكفي لانتقال أحد، وسمعت فيه شيئًا جديدًا: صبرًا. من ينادي المرة الثانية وهو واثق من الثالثة لا يستعجل.

بين النداءين فتحت أوراق لاشين على ركبتي — أعمل نسخةً مصورة، سامحوني — لأراجع الهامش. تحت الضوء الرديء لمصباح هاتفي رأيت ما لا يُرى في قاعة مكتبة: الهامش لم يكتمل. بعد «لا تذهبوا» كلمة رابعة، مكشوطة بعناية، يظهر منها أول حرف فقط: نون. «لا تذهبوا ن…». نهارًا؟ نساءً؟ نيابةً عني؟

في ملفكم عن الندّاهة قاعدة نجاة واحدة: لا تلتفت عند النداء الثالث. لكن ملفكم — راجعوه — لا يقول شيئًا عمّن يقف والماء خلفه. التفاتي كان إلى الأوراق، وظهري إلى الترعة. فهل يُحسب انحناء المرء على مخطوطة التفاتة؟ هذا سؤال منهجي جاد، وأرجو أن يجيب عنه ملفكم القادم، لأنني حين انتهى النداء الثالث لم أكن قد قررت بعد، وقرر الماء.

لا تقلقوا عليّ أكثر مما يجب؛ فما زلت أكتب، والدليل بين أيديكم. لكن قيّدوا في ملف لاشين أن الرجل كان يعرف، وفي ملف المخطوط أن الباب الناقص فعلًا لا يُقرأ بل يُسمع، وأنه يُفتح من ناحية الماء. وإن وصلتكم رسالة ثانية مني فلا تفتحوها بعد العشاء، ولا قرب حنفية مفتوحة، ولا — وهذا الأهم — تقرؤوها بصوت مسموع. الأصوات هنا تُعاد، وأنا ما زلت أتعلم قواعد الإعادة.