وصلتنا اليوميات ضمن مقتنيات مزاد صغير في الإسكندرية: دفتر جلدي إنجليزي، وخريطتان، وصورة جماعية لبعثة من ثمانية رجال أمام سيارتي صحراء. اليوميات بخط مسّاح شاب اسمه في الدفتر «هـ.»، والبعثة — كغيرها في ذلك العقد المحموم — كانت تبحث عن زرزورة، واحة الطيور البيضاء، المدينة التي تظهر على الخرائط القديمة وتحيد عنها الحديثة.
في اليوم الثالث كتب هـ. عن الدليل: رجل من الواحات استأجروه في آخر لحظة بعدما اعتذر دليلهم الأول فجأة. «رجل صامت، يقرأ الرمل كما نقرأ الجرائد. له شرطان: لا نسير بعد مغيب الشمس، وهو يعدّ الرؤوس عند كل نار — بصوت مسموع، ونحن ننظر إليه». ضحك رئيس البعثة ووافق. الأوروبيون يحبون طقوس الأدلّاء؛ تصنع حكايات جيدة للعودة.
اليوم السابع: «سألت الدليل عن أصله فأشار جنوبًا وقال كلمة واحدة: البِربا. سألته أتقصد المعابد؟ فقال: أقصد المدرسة. ثم لم يزد. وجدت في دفتر البعثة السابق — الذي ورثناه مع الخرائط — أن دليلهم كان من القرية نفسها، وأنه هو من رسم على خريطتنا العلامة التي نتبعها. العلامة ليست باسم مدينة. إنها كلمة بالعربية ترجمها لي الطباخ متضايقًا: «المكتوبة». لم أفهم، وكتبتها كما سمعتها.
اليوم العاشر، ليلًا: «نارُنا الليلة صغيرة والريح تسرق منها. جلسنا ثمانية كالعادة، والدليل بدأ عدّه: واحد، اثنان… ثم توقف عند السابع وأعاد العد. ثم أطفأ النار بيده — بيده — وقال بهدوء رجل يعزّي: ثمانية جلسوا. وثمانية جاؤوا. لكن الذي في آخر الحلقة ليس الذي جاء. لا أحد ينظر. لا أحد يجيب من يناديه باسمه الليلة. غدًا نعود من حيث جئنا».
«كتب رئيس البعثة في محضره أن الدليل مصاب بضربة شمس. لكنني رأيت وجوه رجالنا في ضوء الجمر الأخير، ورأيت أن أحدها — الأبعد — كان يبتسم قبل أن يصل إليه الضوء، كمن يعرف النكتة قبل أن تُحكى. في ملفات أرشيفكم أقرأ الآن أن الغولة تُعرف من قدميها. نحن كنا جلوسًا على الرمل، والرمل ستّار، والقدمان آخر ما يفكر فيه رجل مرهق يعدّ النجوم».
اليوم الحادي عشر: «عدّنا الدليل مرتين قبل الفجر. ثم قادنا شرقًا بعكس العلامة، وظل يقرأ شيئًا بصوت خفيض طول الطريق — قال الطباخ إنه ليس قرآنًا وليس أغنية، إنه أسماء. عند الظهيرة رأينا على البعد أسوارًا بيضاء وبابًا تعلوه طيور منحوتة، فصاح رئيس البعثة وأدار المقود نحوها. قال الدليل كلمته الوحيدة الطويلة في الرحلة كلها: المدينة لا تُدفن لتُنسى. تُدفن لتشبع. ثم أمسك المقود، ببساطة، وأعادنا إلى الشرق. لم يعترض أحد. في السيارة الثانية، كان أحدنا يبكي بلا صوت، ولم يتذكر أحد لاحقًا من هو».
الصفحات الأخيرة من الدفتر ممزوقة. بقي منها هامش واحد، بخط مختلف عن خط هـ، أثقل وأقدم: «سبعة عادوا». تحته، بخط هـ. نفسه وقد فقد انتظامه: «كلنا الثمانية عدنا. أنا متأكد. أنا أعدّنا كل ليلة منذ سنتين. الليلة عددتنا مرتين».
قيّدنا اليوميات في ملف المدينة المدفونة، وأحلنا نسخًا إلى ملفَّي الغولة وسحرة البرابي. وبقي سؤال واحد معلق في هامش المحضر، بخط أمين سابق لهذا الأرشيف: إن كانت المدينة تُدفن لتشبع، فمن يطعمها البعثات — الخرائط، أم من يرسم عليها العلامات؟