الجاثومJATHOOM

TALE·06 · سرد جاثومي أصلي · ٨ دقائق

الليلة الثانية بعد الألف

مغنية زار اعتزلت منذ عشرين سنة عادت لتحكي — لا لتغني. اشترطت أن نسجّل، وألا نوقفها قبل الفجر.

من محضر الجلسة: «قالت: أنا لا أخاف مما يجيء في الليل. أنا أخاف أن أسكت وهو في الغرفة».

قابلناها في بيت قديم في حي قاهري لا يهم اسمه، وقد تجاوزت السبعين. عرفناها من تسجيلات قديمة: صوت من أصوات الزار التي تعرف كيف تقود جلسة كاملة إلى حافتها ثم تمسكها. اعتزلت في التسعينيات ولم تعد، ورفضت كل عروض الفرق التراثية.

قالت في أول الشريط جملة اعتبرناها مقدمة، ثم فهمنا لاحقًا أنها كانت الشرط كله: «أنا ما بطردش حاجة. أنا بفاوض. والفرق إن اللي بتطرده بيرجع، واللي بتفاوضه بيفضل قاعد — بس بشروطك».

سألناها لماذا اعتزلت. لم تجب مباشرة. حكت بدل ذلك عن جلسة سنة ١٩٩١، امرأة شابة، خيط معروف، ليلة عادية. وفي منتصف الجلسة انتبهت إلى أن الإيقاع الذي تعزفه الفرقة ليس الإيقاع الذي بدأت به — لا أحد غيّره، وكل عازف يقسم أنه يعزف ما بدأ به. «كنا بنلف في نغمة مش بتاعتنا. زي واحد بيسوقك وانت فاكر إنك ماسك العجلة».

«وقّفت الجلسة قبل الفجر بشوية». صمتت طويلًا هنا، والشريط يسجّل صمتها. «ده أكبر غلط عملته في عمري».

شرحت بعد ذلك بصبر معلمة: في الزار لا تُقطع الجلسة في منتصفها؛ تُنهى نهاية. من يُفتح له باب ثم يُغلق قبل أن يقول شرطه لا يذهب — ينتظر. وهي انتظرت معه عشرين سنة، تمتنع عن الغناء لأن الغناء عندها ليس عملًا بل استدعاء، ولأنها لا تريد أن تفتح بابًا وهي تعرف أن أحدًا واقفًا خلفه من ١٩٩١.

قلنا لها: ولماذا تكلمينا الآن؟ فقالت الجملة التي جعلت هذه المروية تُقيَّد في جناح عوالم من حبر لا في جناح الطقوس: «عشان لقيت طريقة تانية. الحكاية». ثم شرحت، بمنطق لا يقلّ إحكامًا عن منطق أي باحث قابلته: أن الغناء يفتح، أما الحكاية فتؤجّل. «طول ما بتحكي، هو بيستنى الآخر. زي ست الحكايات بتاعة ألف ليلة — دي ما كانتش بتسلّي الملك، دي كانت بتأجّله».

حكت من العاشرة مساء إلى قبيل الفجر: حكايات جلسات، وحكايات نساء، وحكاية عن كتاب كبير رأته مرة في بيت زبونة، غلافه أحمر ومربعات أرقام في داخله، قالت إنها لم تلمسه وإن صاحبته كانت تخبئه تحت المرتبة «عشان بيتعب البيت». وكلما قاربت حكاية على الانتهاء وصلَتها بأخرى قبل أن تصمت. لم تكن تفعل ذلك لتُبهرنا؛ كانت تفعل ذلك كما يمشي رجل على حبل: بلا التفات.

قبل الفجر بدقائق توقفت من نفسها، ونظرت إلى الباب — لا إلينا — وقالت: «كفاية النهاردة». سألناها إن كنا نعود. قالت: «تعالوا. بس متجيوش من غير حكاية جديدة معاكم». وحين هممنا بالخروج، أوقفت المسجّل بيدها هي، ثم قالت آخر ما في هذا الملف، ونحن نقيّده كما نطقته: «واللي بيسمعنا دلوقتي — سيبوا الملف مفتوح شوية. مش عشاني. عشانه هو، بيحب يشوف حد لسه بيقرا».